|
الدلالة الأولى:

إذا وضعت شيئين في كفتي ميزان فتساويا، فإن ذلك يعني أنهما متساويين من حيث
الوزن.. وإذا تساوى شيئان من حيث الشكل والمظهر أيضا، فذلك يرمز إلى اتساع
دائرة الاشتراك بينهما.. كما أن إطلاق تسمية معيّنة على هذين الشيئين يشير إلى
نقطة الاشتراك بينهما، مع العلم أن من الممكن أن تكون هناك نقاط اشتراك أخر،
لكن التسمية المثناة تتبع نقطة الاشتراك التي يراد التركيز عليها.
فقولنا "هذان رجلان" إشارة إلى شخصين مشتركين في الرجولة، ولا يهمنا وزنهما أو
شمائلهما لأننا نريد إعطاء الصدارة إلى خصلة التذكير وكون كل منهما رجل.
فإطلاق تسمية "الثقلين" على الكتاب والعترة يعني اشتراك هذين الشيئين في كونهما
ثقلين والثَقَل في اللغة يعني الشيء الخطير النفيس.
فمجرّد اقتران العترة بالقرآن في هذه الخصلة بالذات دليل على عظم خطرها وجلالة
شأنـها وعلوّ مقامها وأعلميتها
من سائر الخلق
بعد النبي
،
وذلك لأنّ النبي قد أرجع الناس جميعاً
إليهم بما في ذلك الصحابة، ولم يستثن أحدا من الخلق، ولم يُرجع أهل بيته إلى
أحد، ولم نشهد حديثاً
أو موقفاً يأمرهم فيه النبي
باتباع
أحد من الناس.
فالناس بحاجة إليهم وليسوا بحاجة إلى الناس، وقد جعل النبي كلاّ من الكتاب
والعترة قرينين وعدلين، وربما كان "الثقل" بكسر الثاء وتسكين القاف بمعنى
الثقيل لأن التمسك بـهما ثقيل.
فلو كان في الأمّة شخص أو مجموعة في مقام العترة أو أفضل منها، لما أمر النبي
بالتمسك بالعترة بشكل خاص بل لأمر العترة باتباع ذلك الشخص أو الأشخاص، ولما
خصص الهداية للأمّة في التمسّك بعترته وأهل بيته ولما أفردهم في ذلك، كما خصّص
ذلك بالأخذ بالقرآن والجمع بينه وبين أهل البيت
.
كما أن الحديث يدلّ على تمييزهم وعلمهم بتفاصيل الشريعة الغرّاء، وذلك
لاقترانهم بالكتاب الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة، ولذلك فإن قولهم ليس من باب
الاجتهاد بالرأي ـ بالمعنى المصطلح ـ أو القول بالقياس والحدس وما شابه ذلك،
وإنّما هو بمثابة التشريع وفي مقام بيان أحكام الله
عز و جل.
وهنالك روايات أخرى تدلّ على أعلمية أهل البيت،
ومنها قول النبي: (أعلمكم علي) وقوله: (أنا مدينة العلم وعلي بابـها، فمن أراد
المدينة والحكمة فليأتـها من بابـها)..
و أوضح مدلول على أعلميتهم من خلال حديث الثقلين هو
قول النبي
في كثير من نصوص الحديث ـ كما سيأتي لاحقاً ـ : (لا تعلّموهم فإنـهم أعلم
منكم)، ولو أردنا أن نذكرها كلها لطال بنا المقام ولاستلزم مجلّدات عديدة من
الكتب. وسأشير إلى جانب آخر من هذه المسألة لاحقاً[1]
عند
تحليل حقيقة عدم الافتراق ما بين القرآن والعترة.
|