كتاب الله و عترتي
- تأملات في حديث الثقلين-

 

الدلالة الثانية:

أرجع رسول الله الأمّة كلها إلى أهل البيت كما أرجع الأمة أيضاً إلى القرآن الكريم، أي جعلهم قرائن القرآن، فهم والقرآن في حيز واحد من حيث وجوب الإتباع وعدم المخالفة. وذلك بدلالة قوله w: (لن يفترقا) أي أن القرآن لن يفترق عنهم وأهل البيت لن يفترقوا عن القرآن.

فالأول: أي عدم افتراق القرآن عن أهل البيت يدلّ على أن جميع أفراد الأمّة بمختلف طبقاتهم وأصنافهم محتاجون إلى العترة، وذلك لأنّ كلّ الناس، ولكي يفهموا أحكام الدين ووظائفهم الدينية، وكيفية القضاء ورفع النزاع، وإصلاح الأمة ورفع الشبـهات ومعرفة حقوق بعضهم على بعض، وإصلاح أمور المعاش والمعاد وطرق التقرّب إلى الله عز و جل.وبشكل عام في كل أمورات دينهم ودنياهم، محتاجون إلى القرآن وعلمه.

ولأنّ القرآن لن يفترق عن العترة، فالناس جميعا بحاجة إلى العترة. وبما أن القرآن الكريم جامع لكافة ما يحتاج إليه الخلق لكنه بصريح بيانه فيه محكم ومتشابه وناسخ ومنسوخ وظاهر وباطن، كما يقول تعالى: )هو الذي أنزل عليك القرآن فيه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابـهات فأمّا الذين في قلوبـهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله( ولا يستطيع الناس استنباط جميع ما يحتاجون إليه من محكماته بمفردها وليس لهم سبيل إلى تفسيره وتأويل متشابـهاته واستخراج العلوم من بطونه إلاّ بالرجوع إلى أولئك الذين أختارهم الله ليكونوا عيبة لعلمه وأشار إليهم في موارد شتّى حيث قال تعالى: )لا يعلم تأويله إلاّ الله والراسخون في العلم( وقال أيضا: )فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون( وليس أهل الذكر إلاّ أهل البيت ـ كما سيأتي التنبيه عليه لاحقاً ـ.

أما الثاني: أي عدم افتراق العترة من القرآن، فإنّه يدل على أن أهل البيت عندهم جميع علوم القرآن الكريم وهم بذلك ليسوا بحاجة إلى أحد من البشر. فليس عند أحد من البشر علمٌ صحيح لا يوجد في القرآن لكي يكون بذلك قد تفّوق على القرآن وأهل البيت .

وعلى ما مّر، ولأن النبي أخبر الناس بأن القرآن لن يفترق عن العترة والعترة لن تفترق عن القرآن، فكل من يحتاج إلى القرآن ـ وليس هنالك من لا يحتاج إليه ـ فهو محتاج إلى العترة الطاهرة. وهم وحدهم يعلمون جميع علوم القرآن، لأنّهم إذا لم يكونوا كذلك لافترقوا عنه في ما لم يعلموه منه. ولأنّهم لن يفترقوا عن القرآن، فلن يكون هنالك شيء لا يعلمونه. فثبت لمن حكّم عقله أنّ الناس كما أنّهم بحاجة دائمة إلى القرآن الكريم فهم أيضا بحاجة دائمة إلى العترة الطاهرة ولانّ العترة وعت جميع علوم القرآن فهي غير محتاجة إلى أحد قط.

و واضح أنه لو كان هنالك أحد من الأمّة ـ سوى العترة الطاهرة ـ محيط بجميع علوم القرآن، لوجب أن يذكره النبي ويجعله قرينا لعترته ولأمر بالتمسك به ولاستثناه من اتباع أهل البيت لعدم احتياجه إليهم. وبما إنّه أمر جميع الأمّة بالتمسك بأهل البيت ولم يستثن في ذلك أحد، فلن تبقى شبهة لذوي الألباب في أنّ الجميع محتاجون إليهم وأنه ليس هنالك أحد من أفراد الأمّة عالم بجميع علوم القرآن سواهم. وسيأتي تفصيل هذا الباب لاحقاً أن شاء الله.

 
 

 

 ----
السابق  الفهرس  التالي
 ----

 

جميع الحقوق محفوظة لموسوعة الفاروق إلا أن بإمكانم استنساخ و توزيع و نشر كل المواضيع و الأحاديث و المصادر الموجودة في الموقع بدون أية قيود و لا نسألكم إلا صالح الدعاء للتوفيق و السداد و حسن العاقبة.