كتاب الله و عترتي
- تأملات في حديث الثقلين-

 

الدلالة الخامسة:

 

يدلّ هذا الحديث على أن أهل البيت هم خلفاء الله ورسوله بعد النبي ، ويمكن الاستدلال على ذلك بالنحو التالي: جعل النبي في كلامه الشريف عترته وأهل بيته قرائن القرآن وفي محلّ وجوب التمسّك بـهم لرفع ضلالة الأمّة والشك والريبة، وجعل هداية الأمّة وعدم انحرافها فرعا لتمسّكها بهذين الأصلين.

فالولاية التي جعلت شرطا لعدم الضلالة والانحراف، ومن ثمّ دخول الجنة أو النار ـ والعياذ بالله من النار ـ لابدّ أن تكون ولاية في طول ولاية الله المطلقة وتلك هي الولاية ذاتها التي تمنح الرسول ولاية على المؤمنين بل الخلق أجمعين وذلك قوله في حديث الغدير (ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟). ولذلك كان الناس يخاطبون النبي بقولهم (بأبي أنت وأمي). فقد قال عز و جل: (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم)[1]، فهذا يعني الولاية التكوينية والتشريعية المطلقة التي أعطاها الله لرسوله تكريما وإعظاما له.

قال الله تعالى: (ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) فقد فوض الله أمر الدين إلى نبيه وهذه الولاية هي التي أكّد عليها الله تعال في قوله تعالى: (أطيعوا الله ورسوله وأولي الأمر منكم) فتستمر هذه الولاية إلى أهل البيت عبر النصوص الواردة في كتاب الله وأحاديث رسوله كحديث الغدير وحديث الثقلين، فهم ولاة الأمر الذين أمر الله بطاعتهم كما أمر بطاعته وطاعة نبيه، وكما أنّ طاعة النبي هي بحدّ ذاتها طاعة الله، وهكذا فطاعة عترته طاعة له ولله، وهذا كلّه في طول طاعة البارئ عز و جل، لا في عرض طاعته حتى يقال أن هذا شرك، فهم (أي الرسول والعترة الطاهرة) لا يقولون إلاّ ما قال الله ولا يخالفون أمره. قال الله تعالى: (ولو تقوّل علينا بعض الأقاويل* لأخذنا منه باليمين* ثم لقطعنا منه الوتين)[2] ولا يأمرون إلاّ بما أمر به الله، ولذلك فإن اتباعهم امتثالا لأمر الله هو عين التوحيد بالله عز و جل، والعكس هو الشرك بذاته، فامتناع إبليس من السجود لآدم جعله كافرا مستكبرا ومشركا رأيه الباطل مع الله، وكان السجود لآدم عين التوحيد وذلك لأنّه كان طاعة لأمر الله عز و جل، وكذا حين أمرنا الله أن نطيع نبيه كما في قوله تعالى: (ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا)، أو قوله عز و جل: (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول)، أو قوله : (إنّما وليّكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون)[3] أو في الكثير من الآيات الأخرى، وجب علينا طاعة النبي في كلّ ما أتى به وهذا ممّا لا يشك فيه أحد من المسلمين.

وعلى هذا فأمر النبي باتباع عترته وأهل بيته لم يكن إلاّ من الله تبارك وتعالى، رحمة منه لعباده وحياشة لهم إلى جنته. قال تعالى: (ومن يطع الرسول فقد أطاع الله) أفلا ينبغي أن نطيع الرسول في إتباع القرآن والعترة لنكون بذلك قد أطعنا الله وتجنبنا النار التي سجّرها جبّارها لغضبه وأعدّت للكافرين؟!

لقد ورد في بعض نصوص حديث الثقلين، لفض (إنّي تارك فيكم خليفتين، كتاب الله وأهل بيتي..) ولأن العترة الطاهرة ليست بحاجة إلى أحد ماداموا لا يفترقون عن القرآن والناس بحاجة إليهم لتجنب الضلالة (كما مر شرحه) فالعقل يحكم بوجوب كون أهل البيت أئمة وقدوة للناس. كما قال أحدهم حول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب : (استغنائه عن الكلّ، واحتياج الكلّ إليه دليل على أنه إمام الكل)[4] وقول رسول الله : (إنّي تارك فيكم خليفتين) نص صريح بأنّ النبي خلفهم ووصّى الأمّة باتباعهم والأخذ عنهم، وأكّد ذلك قوله : (فانظروا كيف تخلفوني فيهما)[5]، فلم يبق هناك مجال للشكّ في كونهم خلفاء رسول الله دون غيرهم وأنّهم أئمّة المسلمين بعد رسول الله.

ولكن بالرغم من توصية النبي في أهل بيته، فقد آذوهم وظلموهم وشرّدوهم وأفرغوا أحقاد نفوسهم وضغائن قلوبـهم في سبيل إيذائهم.. فلو أمر النبي بتعذيب أهل بيته لما استطاعوا أن يفعلوا أكثر مما فعلوه! هذا وقد أخبر النبي بذلك في أحاديث عديدة، منها قوله : سيلقى أهل بيتي من بعدي تطريدا وتشريدا[6]. فلم يبق من أهل بيته أحد إلاّ وقد قتل.. فهذه الصدّيقة الشهيدة فاطمة الزهراء عز و جل تعصر بين الباب والحائط حتى أسقطت جنينها وماتت ظلما وعدوانا وقد أخفي قبرها بوصية منها، وكذلك أمير المؤمنين فقد قتل بسيف أشقى الآخرين وابن اليهودية المارق الخارجي عبد الرحمن ابن ملجم وكذلك جميع أئمة أهل البيت حتى قالوا:(ما منا إلاّ مسموم أو مقتول)، ناهيك عن أصحابـهم وشيعتهم الذين لاقوا ما لاقوا في سبيل محبتهم التي هي فرض من الله عز و جل [7].

أفلم يسمعوا قول رسول الله : (أذكركم الله في أهل بيتي)[8]، وقوله : (الويل لظالمي أهل بيتي، عذابـهم مع المنافقين في الدرك الأسفل من النار)[9]، وقوله : (من آذاني في أهل بيتي فقد آذى الله)[10] ؟!

فلا حول ولا قوة إلاّ بالله وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.

ولأنّ أهل البيت هم وحدهم مراجع جميع أفراد الأمّة إلى يوم القيامة (لأن الورود على الحوض لا يكون إلاّ في يوم القيامة) فيجب أن تكون كل حاجات الأمة في حوزتهم وهذه العلوم مختصّة بـهم لعدم دخول أحد من الناس ضمن تعريف (أهل بيت النبي وعترته) فالكل محتاج إليهم وهم ليسوا بحاجة إلى أحد ولذلك هم المختصّون لقيادة الأمّة وللإمامة على جميع الخلق، لأن المحتاج إلى غيره والجاهل لا يكون إماما للأمّة، والجاهل لن يكون مقدَّما على العالم حتى بعد رفع الجهل بالرجوع إلى العالم والتعلم لديه.

فكيف لأحد أن يدعي أنه الإمام والخليفة وأنه محيط بعلوم القرآن كلها وقد اعترف بالجهل، وأقر بأن له شيطانا يعتريه؟! فهذا أبو بكر بن أبي قحافة يقول: (وليتكم ولست بخيركم، فإن استقمت فاتّبعوني، وإن اعوججت فقوّموني، فإن لي شيطانا يعتريني) ويقول أيضا: (أقيلوني، أقيلوني، فلست بخيركم وعلي فيكم)[11].

وذكر القاضي بـهلول بـهجت أفندي الشافعي في كتاب "المحاكمة": إنّ أبا بكر بن أبي قحافة عندما صار خليفة، صعد المنبر بعد بضعة أيّام وقال في جملة ما قال: (أقيلوني، ما أنا بخيركم وعلي فيكم).

أما الخليفة الثاني فقد نقلت عنه قولته الشهيرة: (لولا علي لهلك عمر) التي ردّدها في أكثر من سبعين موقف[12]، وقوله: (لا أبقاني الله لمعضلة ليس لها أبو الحسن)، وقوله: (كل الناس أفقه من عمر). وغير ذلك من المواقف التي أخطأ فيها في القضاء والحكم فاستعان بأمير المؤمنين علي بن أبي طالب y، فكيف له أن يدعي الإمامة والخلافة وهو يقرّ بجهله ودنو مرتبته؟

ولا يقال أن هذا من باب المجاز والتواضع، ففي مثل هذا المقام هنالك احتمالان لا ثالث لهما، إما أن يكون صادقا في ما يقول فالعدول عنه إلى من هو أعلم منه أولى لمن أنصف عقله. وإما أن يكون كاذبا، فكيف يجوز اتباع من هو كاذب في مقالته؟!

أما الخليفة الثالث، فقد نقل مالك في موطئه: (أنّ عثمان بن عفّان أتي بامرأة قد ولدت في ستة اشهر فأمر بـها أن ترجم فقال له علي بن أبي طالب ليس ذلك عليها، إنّ الله تبارك وتعالى يقول في كتابه: )وحمله وفصاله ثلاثون شهراً) وقال: (والوالدات يرضعن أولادهنّ حولين كاملين لمن أراد أن يتمّ الرضاعة( فالحمل يكون ستة أشهر فلا رجم عليها. فبعث عثمان بن عفّان في أثرها فوجدها قد رجمت).

فقد قتلت هذه المرأة ظلما، وجهلا بحكم الله الموجود في ظاهر القرآن، فكيف يمكن لعثمان أن يكون إماما أو خليفة لرسول الله وهو يجهل أحكام الله ويحكم بغير علم؟! وكيف يمكن له أن يدعي بأنّه عالم بجميع القرآن وهو يجهل أحكامه؟!

والعقل يحكم أن الإمام وخليفة رسول الله ينبغي أن يكون عالما بجميع أحكام الدين وعلوم القرآن وأن يكون هو الأعلم في زمانه لأنّ ترجيح المرجوح على الراجح وتفضيل المفضول على الفاضل قبيح بحكم العقل، والله أعلى وأجل من أن يفعل قبيحا فيقدم الجاهل على العالم، وقد تبيّن لمن تتّبع الأخبار وجاس خلال الديار أن أهل البيت كانوا ولا زالوا أعلم الناس بعد رسول الله وذلك من خلال المقارنة بين سيرتهم وكلماتهم وأحاديثهم وسيرة سائر الناس وكلامهم وهكذا عرّف الله الإمام في كتابه بقوله تعالى: )أفمن يهدي إلى الحقّ أحق أن يتّبع أم من لا يهدي إلاّ أن يُهدى فما لكم كيف تحكمون(، فينبغي أن لا يكون الخليفة على الأمة إلاّ أعلمهم بكتاب الله وسنة نبيه.

 


 

[1]- سورة الأحزاب: الآية 6.

[2]- سورة الحاقة: الآيات 44 ـ 46.

[3]- سورة المائدة: الآية 55؛ وقد أجمع المفسرون والمحدثون على نزول هذه الآية في حق أمير المؤمنين علي بن أبي طالب y حين تصدق بخاتمه لمحتاج أثناء الركوع. راجع:

أـ الكاشف: ج1 ص648.

ب ـ تفسير النيسابوري: ج2 ص604.

ج ـ النور المشتعل من كتاب ما نزل من القرآن في علي y، ص61 وتفسير الثعلبي: ص144.

دـ الطرائف: ص49، عن الجمع بين الصحاح، جامع الأصول: ج9 ص478.

ه‍ ـ عمدة ابن بطريق: ص516، عن مسند ابن حنبل.

وـ مناقب ابن المغازلي: حديث 354 ـ 358.  

زـ إحقاق الحق: ج3 ص505. "بناء المقالة الفاطمية" سيد جمال الدين ابن طاووس: ص249، عن صحيح النسائي.

ح ـ شواهد التنزيل: ج1 ص209، كفاية الطالب: ص228 ـ 229، الغدير: ج2 ص47 و ج3 ص141 ـ 147.

[4]- الخليل بن أحمد البصري المتوفى سنة 175ه‍، واضع علم العروض ومعلّم سيبويه.

[5]- كما في مسند أحمد وسنن الترمذي.

[6]- المستدرك للحاكم: ج4 ص466 ـ 487، نقلاً عن كتاب "الهجوم على بيت فاطمة".

[7]- قال تعالى: (قل لا أسألكم عليه أجرا إلاّ المودة في القربى).

[8]- سنن الدارمي: ج2 ص432.

[9]- المناقب لابن المغازلي: ص66 و403 ح94.

[10]- كنز العمال: ج12 ص103.

[11]- ابن أبي الحديد في شرحه لكلام أمير المؤمنين علي بن أبى طالب: "فيا عجبا! بينا هو يستقيلها في حياته إذ عقدها لآخر بعد وفاته" ج1 ص58 و ج4 ص166، وراجع أيضا الإمامة و السياسة لان قتيبة: ج1 ص31، وكنز العمال: ج3 ص132 و135 و141.

[12]- وهذا قول مشهور وتناقلته كتب الفريقين بشتى الأسانيد، راجع في ذلك إحقاق الحق: ج8 ص182 ـ 193 و202 و ج17 ص242 ـ 244.


 

 

 ----
السابق  الفهرس  التالي
 ----

 

جميع الحقوق محفوظة لموسوعة الفاروق إلا أن بإمكانم استنساخ و توزيع و نشر كل المواضيع و الأحاديث و المصادر الموجودة في الموقع بدون أية قيود و لا نسألكم إلا صالح الدعاء للتوفيق و السداد و حسن العاقبة.